أحمد بن محمد المقري التلمساني
66
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
هاجر الزخرف « 1 » ، صادعا بالحقّ في أسواق الباطل ، كافّا عن السّخال براثن السباع . ثم صرفت الفكر إلى بناء الزاوية والمدرسة والتربة بكر الحسنات بهذه الخطّة ، بل بالجزيرة ، فيما سلف من المدة ، فتأتي بمنّة اللّه تعالى من صلاح السلطان وعفاف الحاشية والأمن وروم « 2 » الثغور وتثمير الجباية وإنصاف الحماة والمقاتلة ومقارعة الملوك المجاورة في إيثار المصلحة الدينية والصّدع فوق المنابر ضمانا من السلطان بترياق سم الثورة وإصلاح بواطن الخاصّة والعامّة ما اللّه تعالى المجازي عليه ، والمعوض من سهر خلعته على أعطافه ، وخطر اقتحمته من أجله ، لا للثريد الأعفر ، ولا للجرد تمرح في الأرسان ، ولا للبدر تثقل للأكتاد « 3 » ، فهو الذي لا يضيع عمل من عمل ذكر أو أنثى سبحانه وتعالى . ومع ذلك فلم أعدم الاستهداف للشرور ، والاستغراض للمحذور ، والنظر الشزر المنبعث من خزر العيون ، شيمة من ابتلاه اللّه تعالى بسياسة الدهماء ، ورعاية سخطة أرزاق السماء ، وقتلة الأنبياء ، وعبدة الأهواء ، ممّن لا يجعل للّه تعالى إرادة نافذة ، ولا مشيئة سابقة ، ولا يقبل معذرة ، ولا يجمل في الطلب ، ولا يتلبّس مع اللّه بأدب ، ربّنا لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا ، والحال إلى هذا العهد - وهو منتصف عام خمسة وستين وسبعمائة - على ما ذكرته ، أداله اللّه بحال السلامة ، وبفيئة العافية ، والتمتّع بالعبادة ، وربّك يخلق ما يشاء ويختار : [ مجزوء الكامل ] وعليّ أن أسعى ولي * س عليّ إدراك النجاح وللّه سبحانه فينا علم غيب نحن صائرون إليه ، ألحفنا اللّه بلباس التّقوى ، وختم لنا بالسعادة ، وجعلنا في الآخرة من الفائزين ، نفثت عن بثّ ، وتأوّهت عن حمّى ، ليظهر بعد المنقلب قصدي ، ويدلّ مكتتبي على عقدي . انتهى ، وجلّه بلفظه . وكان - رحمه اللّه تعالى ! - عارفا بأحوال الملوك ، سريع الجواب ، حاضر الذهن ، حادّ النادرة . ومن حكاياته في حضور الجواب ما حكاه عن نفسه قال « 4 » : حضرت يوما بين يدي السلطان أبي عنان في بعض وفاداتي عليه لغرض الرسالة ، وجرى ذكر بعض أعدائه ، فقلت ما أعتقده في إطراء ذلك العدوّ ، وما عرفته من فضله ، فأنكر عليّ بعض الحاضرين ممّن لا يحطب إلّا في حبل السلطان ، فصرفت وجهي وقلت : أيّدكم اللّه ! تحقير عدوّ السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء ، بل غير ذلك أحقّ وأولى ، فإن كان السلطان غالب عدوّه كان
--> ( 1 ) في ب « هاجرا للزخرف » . ( 2 ) في ب « ورمّ الثغور » . ( 3 ) الأكتاد : جمع كتد ، وهو مجتمع الكتفين . ( 4 ) انظر أزهار الرياض ج 1 ص 287 .